الشيخ علي المشكيني
206
دروس في الأخلاق
الدرس الخامس والأربعون : في الحسد الدرس الخامس والأربعون : في الحسد « الحسد » : تمنّي زوال نعمة الغير ، وله صور ؛ فإنّ الحاسد إمّا أن يتمنّى زوالها عن الغير فقط ، أو يتمنّى مع ذلك انتقالها إليه . وعلى التقديرين ، إمّا أن يصدر منه حركة من قولٍ أو فعلٍ على طبق تمنّيه ، أو لا يصدر . وعلى أيّ ، فحقيقة الحسد عبارة عن تلك الصفة النفسيّة ، ولها مراتب في الشدّة والضعف ، وصدور الحركات الخارجيّة من آثارها ومقتضياتها . والظاهر أنّه من الطبائع المودعة في باطن جميع الناس ، وتتزايد في عدّةٍ منهم وتتناقص في آخرين بملاحظة اختلافهم في التوجّه إلى النفس ومراقبة حالها ومجاهدتها ، ويترتّب عليها آثار كثيرة مختلفة ؛ بعضها مذموم ، وبعضها محرّم ، وبعضها كفر وشرك ، ونعوذ باللَّه من الجميع . وظاهر أكثر الأصحاب حرمة الحسد ، وترتّب العقوبة عليه مطلقاً ، ظهر في الخارج أم لا . وظاهر آخرين أنّه لا يحرّم ما لم يظهر بقولٍ أو فعلٍ ؛ لأنّهم صرّحوا بأنّ الحرمة والعقوبة تترتّبان على الأفعال البدنيّة ، دون الصفات والملكات النفسيّة ؛ لكنّ الظاهر من بعض النصوص ترتّب العقوبة على بعض الصفات القلبيّة أيضاً وإن لم يترتّب عليه حكم تكليفي ، فاللازم أن يفرّق بين الحرمة والعقوبة ، كما ذكروا ذلك في التَّجرّي ، وللبحث عنه محلّ آخر . والحسد من أخبث الصفات وأقبح الطبائع ، وهو من القبائح العقليّة والشرعيّة ؛ فإنّه في الحقيقة سخط لقضاء اللَّه ، واعتراض لنظام أمره ، وكراهة لإحسانه ، وتفضيل بعض عباده على بعضٍ ، ويفترق عن الغبطة الممدوحة ، بأنّ الحاسد يحبّ زوال نعمة الغير ، والغابط